كنتُ أظن أن العالم مكان مرتب ومنظم، فقررتُ أن أصبح مهندس برمجيات، لاكتشف أن الفوضى ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل فلسفة قائمة بحد ذاتها.

عشتُ سنوات طويلة أُقنع الآخرين بأهمية النظافة والترتيب، حتى أدركتُ أن الأمر مجرد وهم جميل، لأن العالم يصرُّ على إثبات العكس كل يوم.

أتنقل بين العواصم والمدن، أكتب، أبرمج، وأتساءل متى سأعثر على ذلك المكان المثالي الذي يملك إطلالة رائعة على البحر، وإنترنتا سريعا لا ينقطع في اللحظة التي أحتاجه فيها.


أنا شخص يخطط لكل شيء… ثم يقرر فجأة أن يلغي كل الخطط في اللحظة الأخيرة.

أكره الهاتف، لكنني أقضي نصف يومي في كتابة الرسائل.

أعشق البساطة، لكنني أعقد الأمور بلا سبب واضح.

أنا الذي يقف في طابور طويل في المطار، لكنه لم يحجز الفندق بعد،

والذي يشتري ساعة جديدة فقط ليتبرع بها لاحقا لأنه لا يحب ارتداء الساعات.

أنا الذي يدخل مطعما ويتردد نصف ساعة في اختيار الطبق،

ثم ينتهي به الأمر بطلب نفس الشيء الذي ندم عليه سابقا.

أنا الذي يقرأ عن تطوير الذات ثم يؤجل التطبيق إلى أجل غير مسمى،

أنا الذي يملك ألف فكرة لمشاريع عظيمة، لكن ينطفئ حماسه بعد أول فنجان قهوة.

أخشى التغيير، لكنه يغريني.

أحب الاستقرار، لكنه يخنقني.

أبحث عن الحرية، ثم أكتشف أنني لا أعرف ماذا أفعل بها.

أخطط لحياة مثالية، ثم أجد الجمال في العشوائية.


رغم كل هذا، في أعماقي هناك شخص بسيط

يبحث عن الدفء في الأشياء الصغيرة، عن لحظات صادقة بعيدا عن الزحام، وعن أشخاص حقيقيون… في عالم يملؤه الزيف.

أنا لا أحب البطاطا المقلية، أنا أعبدها. لو كانت عملة، لادّخرتها. لو كانت دينا، لكنت أول المؤمنين. أعشقها مقرمشة، ساخنة، وإذا سرق أحدهم واحدة من طبقي، فسأعتبرها خيانة لا تُغتفر.

أنا شخص ستجد معي ضحكة صادقة حين تحتاجها، وكلمة طيبة دون أن تطلبها.

أؤمن أن التفاصيل الصغيرة تصنع الفرق.

ورغم كل أخطائي وقراراتي الغبية،

عندما يحتاجني أحد، أكون هناك. حاضرا بقلب دافئ، وابتسامة صادقة، وكوب قهوة ساخن،

تماما كما يجب أن تكون الحياة.