مقهى صغير في آخر الزقاق
في الأربعين، لا يحدث انقلاب درامي في حياتك، لا تستيقظ وقد صرت حكيما، ولا تكتشف فجأة أنّك كنت مخدوعا نصف العمر.
الأمر أبسط من ذلك، وأكثر غرابة.
تستيقظ وتجد أنّ الأشياء التي كنت تطاردها (كالمقاهي التي تعلّق نباتات مزيفة في السقف، أو المحلات التي تبيع قميصا بسعر إيجار شقة ..) لم تعد تحرّك فيك شيئا .. تماما لا شيء.
كأنها إعلان قديم مرّ أمامك ألف مرة، وتوقّف دماغك عن رؤيته.
في الأربعين، تتغير الحاسة السادسة: حاسة ما الذي يستحق أن أخرج من البيت لأجله؟
إذ تقلّ الخيارات بشكل درامي…
فجأة يصبح أفضل مكان في العالم هو مقهى شعبي في زقاق ضيّق: جلساته بلا ديكور، كؤوسه تُصدر أزيزا غريبا، ولكنك تشعر فيه براحة لا يقدمها لك أي لاونج فيه شلال صناعي.
وهنا المفارقة:
لا أحد يعترف أن المقهى الشعبي لم يتغير، نحن الذين تغيّرنا.
صرنا نختار من يعاملنا بلطف… لا من يعاملنا بانبهار.
لم نعد نحتاج إلى "أماكن تُشبه الحياة التي نطمح إليها"، صرنا نبحث عن "أماكن تتحمل الحياة التي نعيشها فعلا".
في الأربعين، الجلوس على كنبة متهالكة يصبح أهم من الذهاب إلى "أرقى مكان في المدينة".. والضوء الأصفر الدافئ ينتصر أخيرا على أضواء LED التي تلمع ..
في الأربعين، لا نكبر، نعود فقط إلى نسخة أكثر بساطة، نسخة كانت موجودة دائما، لكنها كانت مشغولة جدا في إرضاء الآخرين.
واليوم؟ يكفينا كرسي بلا ظهر، وقهوة سوداء، وزقاق ضيّق لا يمر فيه أحد ليسأل:
"هل أخذت صورة للمكان؟".
